ابراهيم بن عمر البقاعي
184
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولا ينكل عنه ، فكان ذلك محتما لسفول الكفر وعلو الإيمان ، وذلك بعينه هو الفتح المبين ، فافتتح هذه بقوله على طريق النتيجة لذلك بقوله مؤكدا إعلاما بأنه لا بد منه وأنه مما ينبغي أن يؤكد لابتهاج النفوس الفاضلة به ، وتكذيب من في قلبه مرض وهم أغلب الناس في ذلك الوقت : إِنَّا أي بما لنا من العظمة التي لا تثبت لها الجبال فَتَحْنا أي أوقعنا الفتح المناسب لعظمتنا لكل متعلق بإتقان الأسباب المنتجة له من غير شك ، ولذلك عبر عنه بالماضي . ولما كانت منفعة ذلك له صلّى اللّه عليه وسلّم لأن إعلاء كلمة اللّه يكون به فيعليه ويمتلئ الأرض من أمنه ، فلا يعمل منهم أحد حسنة إلا كان له مثل أجرها ويكونون على قصر زمنهم ثلثي أهل الجنة ، فيكون ذلك شرفا له - إلى غير ذلك من الأسرار ، التي يعيى دون أيسرها الكفار ، قال : لَكَ أي بصلح الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة التي نزلت هذه السورة في شأنه ، يصحبان في الرجوع منه إلى المدينة المشرفة ، قال الأزهري : لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية ، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فرأوا ما لا أعدل منه ولا أحسن ، فاستولى الإسلام على قلوبهم وتمكن منهم فأسلم منهم في ثلاث سنين خلق كثير ، وكذا كان من الفتح تقوية أمره صلّى اللّه عليه وسلّم بالتصديق فيما أنزل عليه من سورة من غلبهم على أهل فارس في رواية من قال : إنه كان في زمن الحديبية ، ثم زاده تأكيدا بقوله : فَتْحاً وزاد في إعظامه بقوله : مُبِيناً * أي لا لبس فيه على أحد ، بل يعلم كل ذي عقل به أنك ظاهر على جميع أهل الأرض لأنك كنت وحدك ، وكان عند أهل الكفر أنك في أيديهم ، وأن أمرك لا يعدو فمك ، فتبعك ناس ضعفاء فعذبوهم وكانوا معهم في أسوأ الأحوال ، وتقرر ذلك في أذهانهم مددا طوالا ثلاث عشرة سنة ، ثم انقذ اللّه أتباعك منهم بالهجرة إلى النجاشي رحمه اللّه تعالى أولا ، وإلى المدينة الشريفة ثانيا ، وهم مطمئنون بأنك أنت - وأنت رأسهم - لا ينتظم لهم بدونك أمر ، ولا يحصل لكسرهم ما لم تكن معهم جبر ، بأنك في قبضتهم لا خلاص لك أبدا منهم ولا انفكاك من بلدتهم ، فاستخرجك اللّه من عندهم بعد أن حماك على خلاف القياس وأنت بينهم من أن يقتلوك ، مع اجتهادهم في ذلك واستفراغهم قواهم في أذاك ، ثم بذلوا جهدهم في منعك من الهجرة فما قدروا ، ثم في ردك فما أطاقوا ولا فازوا ولا ظفروا . بل غلبوا وقهروا ، ثم أيدك بأنصار أبرار أخيار فكنتم على قلتكم كالليوث الكواسر والبحار الزواخر ، ما ملتم على جهة إلا غمرتموها ، وفزتم بالنصف من أربابها قتلتموها أو أسرتموها ولم تزالوا تزدادون وتقوون ، وهم ينقصون ويضعفون ، حتى أتيتموهم في بلادهم التي هم قاطعون بأنهم ملوكها ، يتعذر على غيرهم غلبهم عليها بل